استشــارات: (أنا مطلقة) PDF طباعة أرسل إلى صديق
اصداراتنا
الجمعة, 22 شباط/فبراير 2013 18:47

استشـــارات: (أنا مطلقة)

أ/ أمة القوى حجر

    جاءتني امرأة تطلب رقية شرعية لِمَا دهاها ، فقد أصابها إرهاق شديد وألم في مفاصلها وظهرها مع أن جميع فحوصاتها سليمة ، هذا غير أنها لا توفق في أي عمل تقوم به ، فكلما بدأت في عمل ما تكون في بدايته نشيطة وسعيدة ثم ما تلبث أن تمله وتتركه ، كما أن إنجازها للأعمال بطيء، وأما وساوسها فهي كثيرة ومتعددة ، وحتى أحلامها كوابيس مخيفة إضافة إلى ما يعتريها من نوبات البكاء الشديدة ولكنها لا تعلم أسبابها..

    بعد أن انتهت من بثِّ شكواها سألتها: هل أنتِ متزوجة؟ فأجابتني بحزن وتأوّه: "لا، أنا مطلقة".

 

    سألتها: ما سبب الطلاق؟ فأجابت: " تطلقت فجأة وبدون أي مسببات، لقد كنا سعيدين لمدة سنة وبعدها تم الطلاق".

    وبدأت تسرد لي تفاصيل وذكريات مؤلمة لها وهي تذرف الدموع ، وصوتها يتقطع من البكاء ؛ فقد كانت تحبه وتشعر بالسعادة معه.  وبدأت تدعو عليه وتسأل اللهَ أن يدمِّر حياتَهُ كما دمَّر حياتها.

    واستشففتُ من ألمها وحرقتها  أن الطلاق قريب ، غير أنها فاجأتني بأنها مطلقة منذ خمسة عشر عاماً.

    وأثناء حديثها معي ظلت تردد أنهما كانا سعيدين. وسألتها : "لماذا لم تتزوجي حتى الآن بالرغم من كونك جميلة وتُعرفين بأنكِ ذات خُلُق؟" فأجابت: " أشعر بأنه لا يوجد الإنسان المناسب ، ثم إني أريد التأني أكثر ؛ فأنا لا أريد أن أكرر الغلطة، فما حدث لي في تجربتي الأولى يكفيني لأني ما زلت أعيش الآلام إلى الآن".

 

فبدأتُ قائلةً:

    "كثير ممن تطلقن تعزف عن الزواج وتعيش في ألم وظلمة الماضي سنوات، لكن صدقيني إن المخرج من هذا الألم الذي تشعر به كل امرأة ظلمت في زواجها هو المسامحة ، فهي فعلاً الدواء السحري لهذه العلة بحاجة حديث أو رواية، كما أشارت دراسة حديثة للبروفسور "بيريني" عالم الأعصاب في كلية الطب بجامعة "بيزا ـ إيطاليا" إلى أن التسامح يتيح للإنسان وبسهولة التغلب على أيّ وضْعٍ يمكن أن يصبح مشكلةً ومصدراً للاكتئاب المؤثِّر في العقل"، وقال: "إن الطلاق يؤدي إلى معدل عالٍ من الاكتئاب ، ويمكن أن يُخِلَّ باتزان الإنسان نفسياً وعصبياً، وإن أسهل طريقة لتجنب الآثار العكسية على العقل والجسد هو أن نغفر ونسامح".

    إن الزواج رباط قدسي وعلاقة بين الذكر والأثنى في هذه الدنيا لعمارة الأرض بعقد شرعي إلهي والعقد معقود بين طرفين ، حاولي أن تربطي حبلين بعقدة أليس ضرورياً أن تجمع الحبلين عقدة واحدة ، فإذا ما انحلت العقدة من طرف وبقي الطرف الآخر محتفظاً بالعقدة لم يعد هناك التقاء ولا أي قيمة للزواج والمحافظة على هذه العقدة مسؤولية مشتركة بين الطرفين ، فإذا ما اختار أحد الزوجين حلها وجب على الطرف الآخر تقبل ذلك ما دام الآخر يجد أن حياته بدون الآخر هي الأفضل والأسعد.

    وفكري بعقلانية أكثر ؛ فمِن حقِّه أن يختار حياته وأنت لك حياتك الخاصة بك، ابحثي عن عالمكِ الذي تشعرين فيه بسعادتك.

    أغلقي صفحته من ذاكرتك ، حاولي ألا تستعيدي الأيام الحزينة الكئيبة في حياتك، تذكري الأيام الجميلة، وتخيلي بأن حياتك كانت معه رحلة وانتهت، يكفي ما أخذ من عمرك في الحزن والتذكر. إذا ذكرتِه ـ يا صديقتي ـ فسارعي إلى ذكر الله تعالى، وإذا مرت صورته في ذاكرتك فامسحيها أو تخيلي قلم التصحيح قد غطّى عليها.

    إذا تقدّم لكِ مَن ظاهِرُهُ الصلاح والدين والخلق القويم فتزوجي، فقد يجد فيك الزوج الآخر من المميزات ما عمي عنه الآخر؛ فالله خلق الطيور والأسماك وجميع مخلوقاته أنواع مختلفة، والبشر كذلك أنواع وطبائع مختلفة ، تقبلي ذلك الزوج، فسيرزقك الله من يستحق قلبك المحب وتسعدي معه قال تعالى: {وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللّهُ كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ}.

    عزيزتي، انطلقي إلى الكون الفسيح وتأمّلي آيات الله الكثيرة، ونعمة الزواج آية من آيات الله، فكما سخر الله الشمس والقمر والنجوم لخدمتك فقد سخر الزوج كذلك قال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } إن مشكلتكِ يا صديقتي أنك أحببتِه جداً؛ قال الإمام علي عليه السلام: " أحبِبْ حبيبك هوناً ما عسى أن يكون عدوك يوماً ما ". واحمدي الله على قلبك المحب، وانشري حبك المخبأ في هذا القلب الحزين إلى من يستحقونه، ومن ستؤجرين على حبهم: والديك ، أرحامك، إخوانٌ لك في الله، اجعلي هذا الحب يرقى بك إلى أعلى الجنان، فالمتحابون في الله على منابر من نور يوم القيامة، وإياكِ أن يتحول الطهر في قلبكِ إلى نجاسة الحقد والكراهية، فشتان فشتان بين الجنة والنار.