(تأملات في نهج البلاغة) PDF طباعة أرسل إلى صديق
اصداراتنا
الجمعة, 22 شباط/فبراير 2013 18:37

تأملات في نهج البلاغة

أ/ بشرى جحاف


من خُطبة لأمير المؤمنين عليه السلام
وفيها بيان للأسباب التي تُهلِك النّاس


    (( أَمَّا بَعْدُ ، فَإِنَّ اللهَ سُبْحانَهُ لَمْ يَقْصِمْ جَبَّارِي دَهْرٍ قَطُّ إِلاّ بَعْدَ تَمْهِيلٍ وَرَخَاءٍ ، وَلَمْ يَجْبُرْ عَظْمَ أَحَدٍ مِنَ الْأُمَمِ إِلاَّ بَعْدَ أَزْلٍ وَبَلاَءٍ ، وَفِي دُونِ مَا اسْتَقْبَلْتُمْ مِنْ عِتْبٍ وَاسْتَدْبَرْتُمْ مِنْ خَطْبٍ مُعْتَبَرٌ! )).

 

لا أدري لماذا عندما قرأت هذه الكلمات امتلأت أذناي بحوارات كثيرة سمعتها ولا أزال أسمعها عن السعادة والاستقرار والأمن والأمان وليت شعري أي سعادة ننشد ؟!! وعن أيّ استقرار نبحث ؟!!! وما هو الأمن والأمان الذي نبتغي؟!! هل السعادة عندنا هي اللَّذَّة التي نفوز بها لِلَحظات. أم أن الاستقرار عندنا هو الذي قوامه المال والمنزل المميز والسيارة الفارهة والرحلات الدورية المتكررة. وهل الأمن والأمان متمثلان في إغلاق داري على نفسي لا يعنيني شيء من أمر الآخرين، ومادمْتُ أنعم بالمأكل والمشرب، ومنزلي مضاء بالأنوار، والماء في متناول يدي فهذا هو قمة الأمان ، وإذا تناهت إلى مسمعي أنّةُ  جائعٍ أو صرخةُ مستغيثٍ فقد أضع أصبعي في أذناي أو أحشوهما قُطناً حتى لا أسمع ، وإن وقعتْ عيني على إنسان رَثّ الثياب، أو طفلٍ رسَمَ الهزال على مُحياه كل معاني القهر والألم، وكأني أرى مَن حولي مِن خلف ستار ، وأطلق تساؤلاتي السمجة عن سبب أنينهم ودوافع شكواهم.

    ما أريد الوصول إليه هو أننا نحن من أنشأنا هؤلاء المتجبرين , نحن مَن صنعنا فراعنة زمننا ، صنعناهم لأننا نرى صاحب المال هو الأقدر على تحقيق كل شيء بمالة ، ، وكلها أوهام نستعذبها ونرددها ؛ لأنها تزيح عن كواهلنا المسؤولية تجاه أنفسنا وأهلينا وأمتنا ، ونسينا أن الله سبحانه وتعالى هو الأغنى، هو الأقوى، هو الأقدر، هو من له السُّلْطة على هذا الكون، هو المتصرِّف في جميع شؤوننا ، ونسينا أن ما نراه أمام أعيننا ما هو إلاًّ إمهال. (وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ ) آل عمران: ١٧٨. وبهذا بدأ أمير المؤمنين عليه السلام كلماته (( أَمَّا بَعْدُ ، فَإِنَّ اللهَ سُبْحانَهُ لَمْ يَقْصِمْ  جَبَّارِي دَهْرٍ قَطُّ إِلاّ بَعْدَ تَمْهِيلٍ وَرَخَاءٍ )). لابُدّ أن أمير المؤمنين رأى في عيون من حوله ذلك الانبهار بأصحاب الدنيا ، ولمس فيهم الميل لمثل تلك الحياة المكللة بالجاه والشهرة والزخرف ، ومن كانت هذه حالهم عميت أبصارهم عن رؤية الحق ، فيرون هؤلاء المتجبرين ومَن شاكلهم ، هم على الحق لأنهم أصحاب السلطة هم أصحاب المال هم أصحاب المكانة العالية بين الناس ، فلديهم القوة والعَتاد ، ويغيب عن هؤلاء الناظرين بأبصارهم لا بعقولهم أن هؤلاء هم أصحاب الدنيا المذمومون في كتاب الله ؛ لأنهم يَحيَون على أكتاف المقهورين ، ويعيشون على قوت المقهورين ، ويعتلون ظهور الجهلة ليستعبدوا الناس، فتتبلّد أفهامهم ، ويصلِون إلى مرحلة الجهل المركب ، فهم يهتفون بما هتف به جباريهم ، وينتقدون من انتقده أسيادهم ، ويُحاربون ويقاتلون وهم  غافلون عمَّا هم مُقْدِمين عليه من الحساب والعقاب وسوء العاقبة لا عبرةَ في حياتهم ولا اعتبار ؛ ولذلك كله وضح أمير المؤمنين (ع) أنّ سنّة الله في الخلق هي إمهال الظالم حتى يزداد طغياناً وإثماً ثم يأخذه أخذ عزيزٍ مقتدر ، فعبّر عن مأخذهم بالقصم لسوء العاقبة التي سيقدمون عليها.

    ولِتتضحَ الفكرة للسامع والقارئ المطلع اللبيب أن حال الدنيا ليست من سنّتها الدوام ، فمن ارتفع وحلّق فلا بُدّ أن يقع ، ومن صبر وشكر وثبت على الحق فلابد أن يكرمه المولى ويرفع من شأنه ويجبر مصابه ، فعبّر عن ذلك بالعظم الكسير الذي قد يُقعِد صاحبه أو يعيق حركته ، وبعد أن يجبر عظمه سيعود لما كان عليه من قوّة وعزم.  ((وَلَمْ يَجْبُرْ عَظْمَ  أَحَدٍ مِنَ الْأُمَمِ إِلاَّ بَعْدَ أَزْلٍ وَبَلاَءٍ، وَفِي دُونِ مَا اسْتَقْبَلْتُمْ مِنْ عِتْبٍ وَاسْتَدْبَرْتُمْ مِنْ خَطْبٍ مُعْتَبَرٌ! )).

    ثم يردف أمير المؤمنين (ع) بشيء من الحسرة والألم  قائلاً: (( وَمَا كُلُّ ذِي قَلْبٍ بَلَبِيبٍ، وَلاَ كُلُّ ذِي سَمْعٍ بِسَمِيعٍ، وَلاَ كُلُّ نَاظِرٍ بِبَصِيٍر. فَيَا عَجَباً! وَمَا لِيَ لاَ أَعْجَبُ مِنْ خَطَأِ هذِهِ الْفِرَقِ عَلَى اختِلاَفِ حُجَجِهَا فِي دِينِهَا! لاَ يَقْتَصُّونَ أَثَرَ نَبِيٍّ، وَلاَيَقْتَدُونَ بَعَمَلِ وَصِيٍّ، وَلاَ يُؤْمِنُونَ بَغَيْبٍ، وَلاَ يَعِفُّونَ عَنْ عَيْبٍ، يَعْمَلُونَ فِي الشُّبُهَاتِ، وَيَسِيرُونَ فِي الشَّهَوَاتِ، الْمَعْرُوفُ فِيهمْ مَا عَرَفُوا، وَالْمُنْكَرُ عِنْدَهُمْ مَا أَنْكَرُوا، مَفْزَعُهُمْ فِي الْمُعْضِلاَتِ إِلَى أَنْفُسِهمْ، وَتَعْوِيلُهُمْ فِي الْمُهِمَّاتِ عَلَى آرَائِهِمْ، كَأَنَّ كُلَّ امْرِىءٍ مِنْهُمْ إِمَامُ نَفْسِهِ، قَدْ أَخَذَ مِنْهَا فِيَما يَرَى بَعُرىً ثِقَاتٍ، وأَسْبَابٍ مُحْكَمَاتٍ )). الحسرةُ والألم على هؤلاء الناس الذين منحهم اللهُ العقولَ والأسماع والأبصار ، ولم يستخدموها للتمييز بين الحق والباطل وبين ما ينفعهم وما يضرّهم ، فقد صدق عليهم قول الله تعالى:  ( إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ) الأنفال:٢٢  يعجب أمير المؤمنين (ع) ويستنكر عليهم اختلافهم وشتاتهم وتمسكهم بالشبهات واتباعهم للشهوات رغم أن الحق واضح طريقه بيّنة معالمه ؛ فقد بيّن الله سبحانه وتعالى المعروف ما هو وكيف هو ، ونهى عن المنكر ووضح ما هو وكيف هو ، ووعد الأوّل بالجنة وتوعد الثاني بالنار ، فما الذي يجعل الناس معرضين عن طريق الحق مندفعين وراء أهوائهم ، لا منكر لديهم إلاَّ ما أنكروه ولا معروف عندهم إلاَّ ما عرفوه ووافق ميولهم وشهواتهم ، مرجعيّتهم عند الشدائد آراؤهم وقناعاتهم ، لأنهم نَصبوا أنفسَهم أئمّة عليهم ، فلا يسمعون الحكمة إلاَّ من أفواههم ولا يثقون إلاَّ فيما يرون ، فهم عن منهج الأنبياء بعيدون كل البعد وبينهم وبين الاقتداء بالأوصياء والأولياء مساحات شاسعة ، لأن إيمانهم يتجسد فيما يرونه أمام أعينهم ، أمّا الغيبُ فهو غائب لا شاهد عليه وهم على هذه الحال ضلوا وأضلوا الكثير ، وما أحوالنا ببعيدة عن هذا التصوير الدقيق لعبيد الدنيا .

 

نسأل الله جلَّ وعلا أن يجعلنا ممن يعرفون الحقّ وأهله ،،،